الجمعة، 14 مارس 2014

مما جاء في تفسير (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) الإنشقاق ٧-٩

السلام عليكم.. طيب الله يومك وعملك..

يقول الرحمن الرحيم:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)﴾
سورة الإنشقاق

قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه • فسوف يحاسب حساباً يسيراً} أي سهلاً بلا تعسير، أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة.

روى الإمام أحمد عن عائشة، رضي الله عنها، قالت، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "من نوقش الحساب عذب"، قالت، فقلت: أفليس قال الله تعالى: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}، قال: "ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب."

وروى ابن جرير عن عائشة، رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاّ معذباً"، فقلت: أليس الله يقول {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}؟ قال: "ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب" ، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت."

وفي رواية عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "من نوقش الحساب - أو من حوسب - عذب، ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض الله تعالى وهو يراهم."
***
وقوله تعالى: {وينقلبُ إلى أهلهِ مسرورا} أي ويرجع إلى أهله في الجنة {مسرورا} أي فرحاً مغتبطاً بما أعطاه الله عزَّ وجلَّ، وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"إنكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله، فمسرور أو مكظوم."
***
[جـاء في الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال :"إن الله سبحانه وتعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا ربهم ألا لعنة الله على الظالمين." رواه البخاري ومسلم]

*التفسير من ابن كثير، رحمه الله ورحمنا

الخميس، 13 مارس 2014

أهل الله

هدهد كان سببا في إسلام أمة *🚩*

ونملة غيّرت مسار جيش، 
وغراب علم بني آدم الدفن،
وحوت آوى نبيا يونس،
وفيل رفض هدم الكعبة.. 

أفلا تتفكرون؟

• صبر أيوب حتى أكل الدود ساقه، 
• صبر يعقوب حتي ابيضت عيناه، 
• صبرت أم موسى حتى أصبح فؤادها فارغا، 
• ومن نحن حتى ﻻ نصبر على تفاهات حياتنا الصغيره؟!

استعينوا بكثرة تلاوة القرآن العظيم، وحفظه وتعلمه وتعليمه، والتأدب بما فيه.. والنتيجة: يخرج الله الهم والغم والحزن من قلوبكم، بإذنه، ويصلح لكم دنياكم وأخراكم، بإذنه.

🚩والأعظم من هذا.. [يجعلكم الله من أهله وخاصته..]

فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن لله أهلين من الناس" قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال:
"هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته"

صححه الألباني في صحيح ابن ماجة

        -  فصبرُ جمييييل!

من أجمل ما قرأت ⇜❤

منقول

مما جاء في تفسير (ومن الليل فتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) الإسراء، ٧٩

السلام عليكم.. طبتم وطاب يومكم..

يقول الحق تبارك وتعالى:

{ومن الليل فتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}
(الإسراء، ٧٩)

أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد نوم، فهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه، وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد النوم.

[يقول القرطبي، رحمه الله: {فتهجد به}، أي: تهجد بالقرآن.]

واختلف في معنى قوله تعالى: {نافلة لك} ، فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجباً في حقه - صلى الله عليه وسلم - دون الأمة، وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما يكفر عن صلواته النوافل الذنوب التي عليه.

وقوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} أي افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمدك فيه الخلائق كلهم، قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل، ذلك هو المقام الذي يقومه محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم.

عن حذيفة قال: يجمع الناس على صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياماً لا تكلم نفس إلاّ بإذنه، ينادى: يا محمد

"فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك ومنك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلاّ إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت"
فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عزَّ وجلَّ. وقال ابن عباس: المقام المحمود مقام الشفاعة. وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود.
***
قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، [ومنها وليست كلها] أنه أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكباً إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر وارداً منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما يسأل الناس آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:
"أنا لها، أنا لها"
[فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا].
***
عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة. وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه. فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم. ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك"، فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: "هم غُر مُحجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم."
***
[ذكر الله "المقام المحمود" مرة واحدة في القرآن العظيم، وذكر التهجد من الليل في نفس الآية.. وفي فضل قيام الليل، يقول عليه الصلاة والسلام: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد" [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].

وقال صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن عمر: "نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل" [متفق عليه]. قال سالم بن عبد الله بن عمر: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً.

وقال صلى الله عليه وسلم: "في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام" [رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني].

وقال : "أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس" [رواه الحاكم والبيهقي وحسنه المنذري والألباني].

وقال : "من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" [رواه أبو داود وصححه الألباني]. والمقنطرون هم الذين لهم قنطار من الأجر.

وذكر عند النبي، صلى الله عليه وسلم، رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه" [متفق عليه]]

*التفسير من ابن كثير، رحمه الله ورحمنا

الأربعاء، 12 مارس 2014

مما جاء في تفسير {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} الإسراء، ٧٨

السلام عليكم.. طبتم وطاب صباحكم..

يقول من بيده الملك:

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا
(الإسراء، ٧٨)

حين تقف في مكانك وتنظر إلى السماء تراها على شكل نصف دائرة، وأنت مركزها، وساعةَ أنْ ترى الشمس عمودية عليك، فهذا وقت الزوال، فإذا ما انحرفتْ الشمس ناحية المغرب يُقَال: دلكت الشمس. أي: مالت ناحية المغرب، وهذا هو وقت الظهر.

والمتأمل في فَرْض الصلاة على رسول الله يجد أن صلاة الظُّهْر هي أول وقتٍ صَلاَّهُ رسوَل الله؛ لأن الصلاة فُرِضَتْ عليه في السماء في رحلة [الإسراء] والمعراج، وكانت بليل، فلما عاد صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الظهر، فكانت هي الصلاة الأولى.

ثم يقول تعالى: {إلى غسق الليل..} أي: أقِم الصلاة عند دُلوك الشمس.. إلى متى؟ إلى غَسَق الليل أي: ظلمته. وفي الفترة من دُلوك الشمس إلى ظُلمة الليل تقع [أربع صلوات]، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.. ولا يبقى إلا صلاة الصبح، فقال عنها سبحانه وتعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}، [وبهذا تكون خمس صلوات مفروضة].

ونتساءل هنا: لماذا ذكر قرآن الفجر ولم يَقُلْ صلاة؟

قالوا: لأن القرآن في هذا الوقت حيث سكون الكون وصفاء النفوس، فتتلقى القرآن نديّاً طريّاً وتستقبله استقبالاً واعياً قبل أن تنشغل بأمور الحياة {إن قرآن الفجر كان مشهودا}.
***
{مشهودا} أي: تشهده الملائكة. إذن: فوقت الفجر وقت مبارك مشهود، تشهده ملائكة الليل، وهم غير مُكلَّفين بالصلاة، فالأفضل من مَشْهدية الملائكة مَشْهدية المصلِّين الذين كلَّفهم الله بالصلاة، وجعلهم ينتفعون بها.
***
[وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر.)
يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {إن قرآن الفجر كان مشهودا}.

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(تعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم بكم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)]
***
وعن أبي الدرداء، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:
(من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد، لقي الله عز وجل بنورٍ يوم القيامة) صححه الألباني لغيره

وفي شرح الحديث، قال العلامة ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين":
"لا شك أن الذي يذهب إلى المسجد في الظلم، فإن جزاءه من جنس العمل، يعني كما تجشم الظلم وأتى إلى المساجد، فإنه يكتب له النور يوم القيامة" اهـ. 

وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشئ فيدركه فَيكُبهُ في نار جهنم.)

قال العلامة ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين":
"فهو في ذمة الله -عز وجل-": يعني في عهده وأمانة.
"فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء": يعني لا تغدوا ولا تعملوا عملا سيئا فيطالبكم الله تعالى بما عهد به إليكم.

وهذا دليل على أن صلاة الفجر كالمفتاح لصلاة النهار، بل لعمل النهار كله، وأنها كالمعاهدة مع الله بأن يقوم العبد بطاعة ربه عز وجل، ممتثلا لأمره مجتنبا لنهيه) اهـ.

*التفسير من خواطر الشعرواي، رحمه الله، ورحم ابن عثيمين، ورحمنا..

الثلاثاء، 11 مارس 2014

مما جاء في تفسير (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) الإسراء، ٧٣-٧٥

السلام عليكم.. طبتم وطاب يومكم..

يقول الرؤوف الرحيم:

{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً • ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا • إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا}
الإسراء: ٧٣-٧٥

هذه خبيثة جديدة من خبائث [المشركين] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يحاولون جادِّين أنْ يصرفوا رسول الله عما بعثه الله به، فمرة يقولون له: دَعْ آلهتنا نتمتع بها سنة ونأخذ الغنائم من ورائها وتحرم لنا بلدنا ـ أي: ثقيف ـ كما حرمت مكة. ومرة يقولون له: لا تستلم الحجر ويمنعونه من استلامه حتى يستلم آلهتهم أولاً.

فالمعنى: لو أنك تنازلتَ عن المنهج الذي جاءك من الله لَصِرْتَ خليلاً لهم، كما كنت خليلاً لهم من قبل، وكانوا يحبونك ويقولون عنك "الصادق الأمين".

إذن: الذي جعلهم في حالة عداء لك هو منهج الله الذي جئتَ به، فلو تنازلتَ عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلاً، فلا تكُنْ خليلاً لهم بل خليلاً لربك الذي أرسلك.
***
ثم يقول تعالى:
{ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}

المتأمل في هذه الآية يجدها تحتاط لرسول الله عدة احتياطات، فلم تقُلْ: لولا تثبتنا لك لَركنتَ إليهم، لا، بل لَقاربتَ أنْ تركنَ فمنعتْ مجرد المقاربة، أما الركون فهو أمر بعيد وممنوع نهائياً وغير مُتصوّر من رسول الله، ومع ذلك أكّد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله: {شيئا قليلا} أي: ركوناً قليلاً.

مما يدلُّ على أن طبيعته صلى الله عليه وسلم ـ حتى دون الوحي من الله ـ طبيعة سليمة بفطرتها، فلو تصوَّرنا عدم التثبيت له من الله ماذا كان يحدث منه؟ يحدث مجرد (كاد) أو (قَرُب) أنْ يركنَ إليهم شيئاً قليلاً، وقلنا: إن المقارنة تعني مشروعَ فِعْل، لكنه لم يحدث، مِمّا يدلُّ على أن لرسول الله ذاتية مستقلة.

والحق سبحانه في هذه الآيات يريد أنْ يستلَّ السخيمةَ على محمد صلى الله عليه وسلم من قلوب أعدائه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على هدايتهم وتأليف قلوبهم، وقد كان يشقُّ على نفسه ويُحمّلها ما لا يطيق في سبيل هذه الغاية، ومن ذلك ما حدث من تَرْكه عبد الله بن أم مكتوم الذي جاءه سائلاً، وانصرافه عنه إلى صناديد قريش؛ لذلك عتب عليه ربه تبارك وتعالى لأنه شقَّ على نفسه.

وكأن الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يقول: يا قوم إنْ لم يوافقكم محمد [صلى الله عليه وسلم] على ما كنتم تريدون منه الانصراف عَمَّا أُنزِل إليه من ربه، فاعذروه؛ لأن الأمر عندي والتثبيت مني، ولا ذنب لمحمد فيما خالفكم فيه، كما لو كان عندك خادم مثلاً ارتكب خطأ ما، فأردت أنْ تتحمل عنه المسئولية، فقلت: أنا الذي كلفتُه بهذا وأمرتُه به، فالأمر عندي وليس للخادم ذنب فيما فعل.
***
ثم يقول الحق سبحانه: {إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات..}.

{إِذاً} أي: لو كِدتَ تركن إليهم شيئاً قليلاً لأذقناك ضِعْف الحياة وضِعْف الممات، وبهذا التهديد يرفع الحق سبحانه سخيمة الكُرْه من صدور القوم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وينقلها له سبحانه وتعالى.

ومعنى {ضعف الحياة وضعف الممات.. } الضعف: مضاعفة الشيء مرة أخرى. أي: قَدْر الشيء مرتين. فالمراد: لأذقناك ضِعْف عذاب الحياة وضِعْف عذاب الممات.

لكن لماذا يُضَاعَف العذاب في حَقِّ محمد صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: لأنه أُسْوة كبيرة وقُدْوة يقتدي الناس بها، ويستحيل في حقِّه هذا الفعل، ولا يتصور منه صلى الله عليه وسلم، لكن على اعتبار أن ذلك حدث منه فسوف يُضاعَف له العذاب، كما قال تعالى في نساء النبي [عليه الصلاة والسلام]:
{يٰنساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا}
[الأحزاب: 30]

ذلك لأنهن بيت النبوة وأمهات المؤمنين، وهنَّ أُسْوة لغيرهنّ من نساء المسلمين، وكلما ارتفع مقام الإنسان في مركز الدعوة إلى الله وجب عليه أنْ يتبرأ عن الشبهة؛ لأنه سيكون أُسْوة فعل، فإنْ ضَلَّ فلن يضل في ذاته فقط، بل سيضل معه غيره، ومن هنا شدَّد الله العقوبة وضاعفها للنبي صلى الله عليه وسلم ولزوجاته أمهات المؤمنين.

ثم يقول تعالى: {ثم لا تجد لك علينا نصيرا}

أي: لا تجد [يا أيها النبي] مدافعاً يدافع عنك؛ أو ناصراً ينصرك؛ لأن مددَك مني وحدي، فكيف يكون لك ناصر من دوني؟

*من خواطر الشعراوي، رحمه الله ورحمنا

الاثنين، 10 مارس 2014

مما جاء في تفسير (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) الإسراء، ٦٤

السلام عليكم.. أسعد الله صباحكم..

يقول الله رب العالمين:

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
 (الإسراء، ٦٤)

قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}

هذا كما تستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فِزّ يعني انهض، وقُمْ من الأرض التي تلازمها كأنها مُمسكة بك. 

فتقول للمتثاقل عن القيام: فِزّ أي: قُمْ وخِفّ للحركة والقيام بإذعان. فالمعنى: استفزز مَنِ استطعت واستخفّهم واخدعهم {بِصَوْتِكَ} بوسوستك أو بصوتك الشرير، سواء أكان هذا الصوت من جنودك من الأبالسة أمثالك، أو من جنودك من شياطين الإنس الذين يعاونوك ويساندونك.
***
[يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}

 قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك، وقال ابن عباس في قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قال: كل داع دعا إلى معصية الله عزَّ وجلَّ، واختاره ابن جرير.]
***
ثم يقول تعالى: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}

أجْلَبَ عليهم: صاح به، وأجلبَ على الجواد: صاح به راكبه ليسرع والجَلْبة هي: الصوت المزعج الشديد، وما أشبه الجَلْبة بما نسمعه من صوت جنود الصاعقة مثلاً أثناء الهجوم.

وهذه الأصوات مقصودة لإرهاب الخصم وإزعاجه، وأيضاً لأن هذه الصيحات تأخذ شيئاً من انتباه الخصم، فيضعف تدبيره لحركة مضادة، فيسل عليك التغلّب عليه.

وقوله تعالى: {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ..} 

أي: صَوِّتْ وصِحْ بهم راكباً الخيل لتفزعهم، والعرب تطلق الخيل وتريد بها الفرسان، كما في الحديث النبوي الشريف: "يا خيل الله اركبي". 
***
ثم يقول تعالى: {وشاركهم في الأموال.. } فكيف يشاركهم أموالهم؟ بأن يُزيِّن لهم المال الحرام، فيكتسبوا من الحرام وينفقوا في الحرام.

(وَٱلأَوْلادِ) المفروض في الأولاد طهارة الأنساب، فدَوْر الشيطان أنْ يُفْسِدَ على الناس أنسابهم، ويُزيِّن لهم الزنا، فيأتون بأولاد من الحرام. أو: يُزيِّن لهم تهويد الأولاد، أو تنصيرهم، أو يُغريهم بقتْلِ الأولاد مخافةَ الفقر أو غيره، هذا من مشاركة الشيطان في الأولاد.

وقوله تعالى {وَعِدْهُمْ} أي: مَنيِّهم بأمانيك الكاذبة، كما قال سبحانه في آية أخرى:

{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} 
[البقرة: 268]
***
ومن حيل الشيطان أن يُزيِّن الدنيا لأهل الغفلة ويقول لهم: إنها فرصة للمتعة فانتهزها وَخذْ حظك منها؛ فلن تعيش مرتين!
***
وهذه وساوس لا يُصدّقها إلا مَنْ لديه استعداد للعصيان، وينتظر الإشارة مجرد إشارة فيطيع ويقع فريسة لوعود كاذبة، فإنْ كان يوم القيامة تبرّأ إبليس من هؤلاء الحمقى، وقال:

{إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم...} 
[إبراهيم: 22]
***
إذن: في الآيتين السابقتين خمسة أوامر لإبليس:

اذهب [(قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم...) الإسراء: ٦٣]،
واستفزز،
وأَجْلب،
وشاركهم،
وعِدْهم.

هذه الأوامر ليست لتنفيذ مضمونها، بل للتهديد ولإظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة، أو صَدّ الناس عنها، وكأن الحق سبحانه يقول له: إفعل ما تريد ودبِّر ما تشاء، فلن توقِف دعوة الله؛ لذلك قال بعدها: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان... }.

*من خواطر الشعراوي، رحمه الله ورحمنا

الأحد، 9 مارس 2014

مما جاء في تفسير (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).. الإسراء، ٥٣

السلام عليكم. طيب الله صباحكم.

يقول الحق تبارك وتعالى:

{وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا}
 الإسراء، ٥٣

يقول الشعراوي في خواطره:
سبق أنْ أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد، وأنهما جَمْع عبد، لكن عبيد تدل على مَنْ خضع لسيّده في الأمور القهرية، وتمرَّد عليه في الأمور الاختيارية، أما عباد فتدلّ على مَنْ خضع لسيده في كُلِّ أموره القهرية والاختيارية، وفضَّل مراد الله على مُرَاده، وعنهم قال تعالى:
{وعباد الرحمٰن الذين يمشون على الأرض هونا... الآية} [الفرقان، ٦٣]

وهذا الفَرْق قائم بينهما في الدنيا دون الآخرة، حيث في الآخرة تنحلّ صفة الاختيار التي بنينا عليها التفرقة، وبذلك يتساوى الجميع في الآخرة، فكلهم عبيد وعباد؛ لذلك قال تعالى في الآخرة للشيطان:
{أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} [الفرقان، ١٧]

فسمَّاهم عباداً رغم ضلالهم وكفرهم.
***
وقوله تعالى: {يقولوا التي هي أحسن}

أي: العبارة التي هي أحسن، وكذلك الفِعْل الذي هو أحسن. والمعنى: قُلْ لعبادي: قولوا التي هي أحسن؛ لأنهم مُؤتمرون بأمرك مُصدِّقون لكَ.

و {التي هي أحسن} تعني: الأحسن الأعلى الذي تتشقَّق منه كُل أَحْسَنيات الحياة، والأحسن هو الإيمان بالله بشهادة أن لا إله إلا الله، هذه أحسن الأشياء وأولها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: "خَيْرُ ما قُلْتُه أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله". 

لأن من باطنها ينبتُ كل حسن، فهي الأحسن والكبيرة؛ لأنك ما دُمْتَ تؤمن بالله فلن تتلقّى إلا عنه، ولن تخاف إلا منه، ولن ترجوَ إلا هو، وهكذا يحسُن أمرك كلُّه في الدنيا والآخرة.
***
ويمكن أن نقول {التي هي أحسن} الأحسن هو: كل كلمة خير، أو الأحسن هو: الجدل بالتي هي أحسن، كما قال تعالى:
{وجادلهم بالتي هي أحسن} 
[النحل: 125]

أو نقول: الأحسن يعني التمييز بين الأقوال المتناقضة وفَرْزها أمام العقل، ثم نختار الأحسن منها، فنقول به.
***
لذلك إذا رأيتَ شخصين يتنازعان لا صِلَة لك بهما، ولكن ضايقك هذا النزاع، فما عليك إلا أنْ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً، وأتحدّى أن يستمر النزاع بعدها، إنها الماء البارد الذي يُطفئ نار الغضب، ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس.
***
تلاحظ أن نَزْغ الشيطان لا يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني عقدي، بل ينزغ بين الإخوة والأهل والأحبة، ألم يَقُل يوسف:
{من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} 
[يوسف: 100]

لقد دخل الشيطان بين أولاد النبوة، وزرع الخلاف حتى بين الأسباط وفيهم رائحة النبوة، ولذلك لم يتصاعد فيهم الشر، وهذا دليل على خَيْريتهم، وأنت تستطيع أنْ تُميِّّز بين الخيِّر والشرير، فتجد الخيِّر يهدد بلسانه بأعنف الأشياء، ثم يتضاءل إلى أهون الأشياء، على عكس الشرير تراه يُهدد بأهونِ الأشياء، ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون. انظر إلى قوْل إخوة يوسف، عليه السلام:

{اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا} 
[يوسف: 9]

فقال الآخر وكان أميل إلى الرفق به:
{وألقوه في غيٰبت الجب} 
[يوسف: 10]

وقد اقترح هذا الاقتراح وفي نيته النجاة لأخيه، بدليل قوله تعالى:
{يلتقطه بعض السيارة} 
[يوسف: 10]

وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم.
***
ويقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن:
في الخبر: (أن قوما جلسوا يذكرون الله عز وجل، فجاء الشيطان ليقطع مجلسهم فمنعته الملائكة. فجاء إلى قوم جلسوا قريبا منهم لا يذكرون الله، فحرش بينهم، فتخاصموا وتواثبوا.. فقال هؤلاء الذاكرون: قوموا بنا نصلح بين إخواننا. فقاموا وقطعوا مجلسهم وفرح بذلك الشيطان). فهذا من بعض عداوته.

السبت، 8 مارس 2014

مما جاء في تفسير ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء، ٥٢

السلام عليكم ورحمة الله.. طيب الله نهاركم..

يقول الحق سبحانه وتعالى:

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
(الإسراء، ٥٢)

قوله تعالى {يوم يدعوكم}، الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه بالخروج. وقيل : بالصيحة التي يسمعونها؛ فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة.

قال صلى الله عليه وسلم : (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم).
***
{فتستجيبون بحمده} أي باستحقاقه الحمد على الإحياء. وقال أبو سهل: أي والحمد لله.
حامدين لله تعالى بألسنتكم. قال سعيد بن جبير : تخرج الكفار من قبورهم وهم يقولون سبحانك وبحمدك؛ ولكن لا ينفعهم اعتراف ذلك اليوم.

وقال ابن عباس { بحمده} بأمره؛ أي تقرون بأنه خالقكم. وقال قتادة : بمعرفته وطاعته. قال علماؤنا: وهو الصحيح؛ فإن النفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور؛ بالحقيقة إنما هو خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك.
***
 قال: فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به؛ قال الله تعالى {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده}

وقال في آخر الزمر {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [75].
***
{وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} يعني بين النفختين؛ وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك أربعون عاما فينامون؛ فذلك قوله تعالى {من بعثنا من مرقدنا} [يس : 52] فيكون خاصا للكفار. وقال مجاهد : للكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قاموا مذعورين.

*من تفسير القرطبي، رحمه الله
***
وقال بعضهم {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي وله الحمد في كل حال.

وقد جاء في الحديث: (ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم يقولون لا إله إلا الله) وفي رواية يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).. الرواية الثانية أخرجها الطبراني.

*من تفسير ابن كثير، رحمه الله ورحمنا

الجمعة، 7 مارس 2014

مما جاء في تفسير (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء، ٤٥

السلام عليكم.. طيب الله مساءكم وتقبل عملكم..

يقول الحق تبارك وتعالى:

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا
 (الإسراء، ٤٥)

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: 

"لما نزلت سورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أقبلت العَوْرَاءُ أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلة وفي يدها فِهْر وهي تقول: 

مُذَمَّماً عَصَيْنَا * وأمْرَه أبَيْنَا * وَدِينَه قَلَيْنَا   

والنبيّ صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلتْ وأنا أخاف أن تراك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تراني» وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال.. وقرأ {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}. 

فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، أخبِرتُ أن صاحبك هجاني! فقال: لا ورَبِّ هذا البيت ما هجاك. قال: فولّت وهي تقول: قد علمتْ قريش أني ابنة سيدِها."
***
 وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف 

{إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [57]

والآية في النحل {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} [108]

والآية التي في الجاثية {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} [23]

فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه : فحدثت بهن رجلا من أهل الشام، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا، ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه.
***
قلت: ويزاد إلى هذه الآية أول سورة يس إلى قوله {فهم لا يبصرون}. فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضي الله عنه في فراشه قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس {يس • والقرآن الحكيم • إنك لمن المرسلين • على صراط مستقيم • تنزيل العزيز الرحيم... - إلى قوله تعالى - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 6]. حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
***
[هروب القرطبي في الأندلس]
 قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن؛ فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله؛ يعنون شيطانا. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك.
***
وقيل : الحجاب المستور طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة؛ قاله قتادة. 
***
وقيل : نزلت الآية في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبي لهب وحويطب؛ فحجب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يمرون به ولا يرونه.
***
وقوله {مستورا} فيه قولان : أحدهما - أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. والثاني: أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه؛ ويكون مستورا به بمعنى ساتر.
***
[يقول الشعراوي في خواطره: كلمة {مَّسْتُوراً} اسم مفعول من الستر، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى (ساتراً)، وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور، فإن كان الحجاب نفسه مستوراً، فما بالُكَ بما خلفه؟]

*من تفسير القرطبي، رحمه الله ورحمنا

الخميس، 6 مارس 2014

مما جاء في تفسير (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) الإسراء، ٤٤

السلام عليكم.. أسعد الله صباحكم وملأ دنياكم نورا لا نهاية له..🌹

يقول من سبح بحمده كل شيء:

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
(الإسراء، ٤٤)

يذكر تعالى أن السماوات السبع والأرض ومن فيهن تقدسه، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته.

كما قال تعالى: 
{تكاد السمٰوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا • أن دعوا للرحمٰن ولدا}
[مريم: 90-91].

وقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أي وما من شيء من المخلوقات إلاّ يسبح بحمد الله {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، أي لا تفهمون تسبيحهم لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما ثبت في  صحيح البخاري: عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي حديث أبي ذر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل." 
***
وقال الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم:
"اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله منه."

وفي سنن النسائي: عن عبد الله بن عمرو قال:
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح."

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً عليه السلام قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول سبحان الله فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق"، قال الله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}.

وقال عكرمة في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: الأسطوانة تسبح. والشجرة تسبح. وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه.
***
وقال آخرون: إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات. قال قتادة في قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحّاك: كل شيء فيه الروح. وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقبرين فقال:

"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين. ثم غرز في كل قبر واحدة ثم قال "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا."

قال بعض من تكلم عن هذا الحديث من العلماء، إنما قال ما لم ييبسا: لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم.
***
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} أي أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر.
***
[• قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أحبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه مسلم

• وقال صلى الله عليه وسلم: (إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، و الله أكبر.. تنفض الخطايا، كما تنفض الشجرة ورقها) حسنه الألباني

• وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) صحيح ابن تيميه

• وقال صلى الله عليه وسلم: (إن مما تذكرون من جلال الله: التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، ينعطفن حول العرش، لهن دويٌ كدوي النحل تذكر بصاحبها.. أما يحب أحدكم أن يكون له، أو لا يزال له من يذكر به) صححه الألباني

• وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟  قالوا: بلى، قال: ذكر الله) صححه الألباني

• وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله) حسنه الألباني

*التفسير من ابن كثير، رحمه الله ورحمنا

الأربعاء، 5 مارس 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).. الإسراء، ٧٠

السلام عليكم ورحمة الله.. طيب الله صباحك وكل أيامك..

يقول من كرم بني آدم وفضلهم:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
 (الإسراء، ٧٠)

وهل هناك تكريم لبني آدم أعظم من أنْ يُعدّ لهم مُقوّمات حياتهم قبل أنْ يخلقهم؟ لقد رتَّب لهم الكون وخلق من أجلهم الأشياء
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً.. } 
[البقرة: 29]

إذن: فكل ما في الوجود مُسخَّر لكم من قبل أنْ تُوجَدوا؛ لأن خلق الله تعالى إما خادم وإما مخدوم، وأنت أيُّها الإنسان مخدوم من كل أجناس الكون حتى من الملائكة، ألم يَقُلْ الحق سبحانه:
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ..} 
[الرعد: 11]

وقال تعالى:
{فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} 
[النازعات: 5]

فالكون كله يدور من أجلك وفي خدمتك، يعطيك عطاءً دائماً لا ينقطع دون سَعْي منك، لذلك نقول: كان من الواجب على العقل المجرد أنْ يقفَ وقفه تأمُّل وتفكُّر؛ ليصل إلى حَلٍّ للغز الكون، وليهتدي إلى أن له خالقاً مُبْدعاً، يكفي أن أنظر إلى آيات الله التي تخدمني، وليس له قدرة عليها، وليست تحت سيطرتي، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء والمطر والسحاب كلها تعطيني وتُمدّني دون قدرة لي عليها، أليس من الواجب عليك عدلاً أن تقول: مَنِ الذي أعدّ لي كلَّ هذه الأشياء التي ما ادَّعاهَا أحد لنفسه؟

فإذا ما صاح صائح منك أيُّها الإنسان وقال: أنا رسول من الرب الذي خلق لكم كل هذه المخلوقات، كان يجب عليكم أنْ تُرهِفُوا له السمع لتسمعوا ما جاء به؛ لأنه سوف يحلُّ لكم هذا اللغز الذي حيّركم.

إذن: كان على الإنسان أن يُعمل عقله وفِكْره في معطيات الكون التي تخدمه وتسخر من أجله، وهي لا تأتمر بأمره ولا تخضع لقدرته.

ولقد اختلف العلماء في بيان أَوْجُه التكريم في الإنسان، فمنهم مَنْ قال: كُرِّمَ بالعقل، وآخر قال: كُرِّمَ بالتمييز، وآخر قال: كُرِّمَ بالاختيار، ومنهم مَنْ قال: كُرِّمَ الإنسان بأنه يسير مرفوع القامة لا منحنياً إلى الأرض كالبهائم، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّمَ بشكل الأصابع وتناسقها في شكل بديع يسمح لها بالحركة السلسة في تناول الأشياء، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّم بأن يأكلَ بيده لا بفمه كالحيوان. وهكذا كان لكل واحد منهم مَلْحظ في التكريم.

ولنا في مسألة التكريم هذه ملحظ كنت أودُّ أنْ يلتفت إليه العلماء، أَلاَ وهو: أن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة (كُنْ) إلا آدم، فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، قال تعالى:
{يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} 
[ص: 75]

وقال:
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}
[الحجر: 29]

فقمة الفضل والتكريم أن خلق الله تعالى أبونا آدم بيده.

*من خواطر الشعراوي، رحمه الله ورحمنا

الثلاثاء، 4 مارس 2014

#twitter

@m_alzaifah:
 عزيزي مستخدم #تويتر أو #الواتس،
لا شك أننا سنرحل يوما ما.. فلا تترك خلفك أثرا تندم عليه عند الرحيل.

#إلا_المجاهرين

مما جاء في تفسير (يا أيتها النفس المطمئنة) وخواتيم سورة الفجر

السلام عليكم ورحمة الله.. أسعد الله صباحكم وبارك في أعمالكم..🌹

يقول الحق تبارك وتعالى:

{كلآ إذا دكت الأرض دكا دكا • وجاء ربك والملك صفا صفا • وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى • يقول ياليتني قدمت لحياتي • فيومئذ لا يعذب عذابه أحد • ولا يوثق وثاقه أحد • يا أيتها النفس المطمئنة • ارجعي إلى ربك راضية مرضية • فادخلي في عـبادي • وادخلي جنتي}
الفجر: ٢١-٣٠

يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فقال تعالى: { كلاّ} أي حقاً {إذا دكت الأرض دكاً دكاً} أي وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم {وجاء ربك} يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق، محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً.
***
وقوله تعالى: {وجيء يومئذ بجهنم} روى الإمام مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). وقوله تعالى: {يومئذ يتذكر الإنسان} أي عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، {وأنّى له الذكرى} أي وكيف تنفعه الذكرى، {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} يعني يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً.
***
عن محمد بن عمرة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.
***
وقال الله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه، {ولا يوثق وثاقه أحد} أي وليس أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربهم عزَّ وجلَّ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين.
***
[نفس المؤمن]
فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته {راضية} أي في نفسها، {مرضية} أي قد رضيت عن الله، ورضي عنها وأرضاها، {فادخلي في عبادي} أي في جملتهم، {وادخلي جنتي} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا.
***
قال ابن عباس في قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا؟ فقال: (أما إنه سيقال لك هذا).
***
وعن أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (قل: اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك).

*من تفسير ابن كثير، رحمه الله ورحمنا
***
قال الحسن البصري : إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى الله تعالى، واطمأن الله إليها.

وقال عمرو بن العاص: إذا توفي المؤمن أرسل الله إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، فيقولان لها: اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي إلى روح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض.
***
وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رومة. وقيل : نزلت في خُبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة؛ فحول الله وجهه نحو القبلة، والله أعلم.

*من تفسير القرطبي، رحمه الله ورحمنا

الاثنين، 3 مارس 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (ولا تمشِ في الأرض مرحا..) الإسراء، ٣٧

السلام عليكم.. أسعد الله صباحكم وزادكم الله من واسع فضله..

يقول عز من قائل:

وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً
(الإسراء، ٣٧)

يقول تعالى ناهياً عباده عن التجبر والتبختر في المشية: {ولا تمشِ في الأرض مرحاً} أي متبختراً متمايلاً مشي الجبارين، {إنك لن تخرِقَ الأرض} أي لن تقطع الأرض بمشيك، {ولن تبلغ الجبال طُولا}: أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في "الصحيح":

"بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة."
***
وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث:

"من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير."
***
ورأى ابن عمر رجلاً يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخواناً.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض."

*من تفسير ابن كثير
***
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"مِن الغَيْرة ما يبغض الله عز وجل ومنها ما يحب الله عز وجل. ومن الخُيَلاء ما يحب الله عز وجل ومنها ما يبغض الله. فأما الغيرة التي يحب الله الغَيْرَةُ في الدِّين، والغيرة التي يبغض الله الغيرةُ في غير دينه. والخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل"
وأخرجه أبو داود في مصنَّفه وغيره.

وأنشدوا: 
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً..
فكم تحتها قوم هم منك أرفع

وإن كنتَ في عزٍّ وحِرْز ومَنْعة..
فكم مات من قوم هم منك أمنع

*الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي
***
ومن حكمة الله سبحانه أنْ جعل كل ما يمكن أن يفتخر به الإنسان هِبةً له، وليست أصيلة فيه. كل أمور الإنسان بداية من إيجاده من عدم إلى الإمداد من عُدم هي هبة يمكن أنْ تسترد في يوم من الأيام.. وكيف الحال إذا تكبَّرْتَ بمالك، ثم رآك الناس فقيراً، أو تعاليت بقوتك ثم رآك الناس عليلاً؟

 وأنتم - أي المتكبرون - بهذا التكبُّر والتعالي لن تخرقوا الأرض، بل ستظل صلبة تتحداكم، وهي أدنى أجناس الوجود وتُدَاس بالأقدام، وكذلك الجبال وهي أيضاً جماد ستظل أعلى منكم قامةً ولن تطاولوها.

*من خواطر الشعراوي - رحمهم الله جميعا ورحمنا

الأحد، 2 مارس 2014

تفسير قوله تعالى: (ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم)، الإسراء: ٣٦

السلام عليكم.. طيب الله صباحكم..🌹

يقول الحق تبارك وتعالى:

{ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}
الإسراء، ٣٦

{لاَ تَقْف} أي: لا تتبع ولا تتدخل فيما لا عِلْم لك به، كمَنْ يدَّعي مثلاً العلم بإصلاح التليفزيون وهو لا يعلم، فربما أفسد أكثر مما يُصلح.

ومن هنا قال أهل الفقه: مَنْ قال لا أدري فقد أفتى؛ لأنه بإعلان عدم معرفته صرف السائل إلى مَنْ يعلم، أما لو أجاب خطأ، فسوف يترتّب على إجابته مَا لا تُحمد عُقْباه.
***
والعلم هنا يُراد به العلم المطلق؛ العلم الديني و كل ما يُثري حركة الحياة. 
***
 إن الذي اكتشف العجلة والكهرباء والجاذبية وغيرها لم يخلق جديداً في كَوْن الله، إنما أحسن النظر والتأمّل فتوصّل إلى ما يُريح المجتمع ويُسعده.

لذلك، فالحق سبحانه وتعالى يُحذّرنا أن نمرَّ على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعُّن فيها:
{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}
[يوسف: 105]
***
والذين عبَّروا عن هذه الإنجازات العلمية بكلمة (الاكتشافات) كانوا أمناء في التعبير عن الواقع الفعلي، فهم لم يخلقوا جديداً في الكون، فكلُّ هذه الأشياء موجودة، ... ومن هنا فكلمة (اختراع) ليست دقيقةً في التعبير عن هذه الاكتشافات.
***
فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبُّع ما ليس لنا به علم، فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه من علوم، فإنْ كانت في الدين تركناها للخالق سبحانه يُقنّنها لنا، وإنْ كانت في أمور الدنيا أعملنا فيها عقولنا بما ينفعنا ويُثرِي حياتنا؛ لذلك تكلّم الحق سبحانه بعد ذلك عن وسائل إدراك العلم، فقال: {إن السمع والبصر والفؤاد كلُ أولئك كان عنه مسؤولا)
***
ولولا وسائل الإدراك هذه ما عَلم الإنسانُ شيئاً، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى:
{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}
[النحل: 78]
***
وإنْ كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب، السمع أولاً، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان بمجرد أنْ يُولَد تعمل عنده حاسّة السمع، أما البصر فإنه يتخلّف عن السمع لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة.

الأخرى: أن السمع هو الحاسَّة الوحيدة التي تُؤدّي مهمتها حتى حال النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم.وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطّل حاسة السمع لديهم، وإلاّ لَمَا تمكَّنوا من النوم الطويل، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى:
{فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا}
[الكهف: 11]
***
ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي:
{رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا..} 
[السجدة: 12]

والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس من هَوْلها فيقولون..
{ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا..} [السجدة: 12].. لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا.
***
والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه:
{وجعل لكم السمع والأبصار..
[السجدة: 9]

إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36]

لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟

قبل أن نُوضِّح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى، وما دام المتكلم هو الله فلا بُدَّ أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها، بليغة في سياقها.

فالسمع جاء بصيغة الإفراد؛ لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعاً، فهو واحد في جميع الآذان.

أما البصر فهو خلاف ذلك؛ لأن أمامنا الآن مرائيَ متعددة ومناظر مختلفة، فأنت ترى شيئاً، وأنا أرى شيئاً آخر، فَوحْدة السمع لا تنطبق على البصر؛ لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع.

أما في قوله تعالى: {إن السمع والبصر..} [الإسراء: 36] فقد ورد البصر هنا مفرداً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية، مسئولية كل إنسان عن سَمْعه وبصره، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يُسأل أحد عن أحد، بل يُسأل عن نفسه فحَسْب، فناسب ذلك أنْ يقول: السمع والبصر؛ لأنه سيُسأل عن بصر واحد وهو بصره.
***
[يقول محمد الطاهر ابن عاشور: في هذه الآية أدب خلقي عظيم، وهو أيضا إصلاح عقلي جليل يعلم الأمة التفرقة بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط عندها المعلوم والمظنون والموهوم.]

*من خواطر الشعراوي، رحمه الله ورحمنا