الأربعاء، 9 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) الشرح: ٥، ٦

السلام عليكم.. طبتم وطاب صباحكم..

يقول الحق تبارك وتعالى:

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
(الشرح: ٥، ٦)

أخبر الله تعالى أن مع العسر يوجد اليسر، ثم أكد هذا الخبر، بقوله: {إن مع العسر يسراً}. قال الحسن: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وعن قتادة ذكر لنا أن رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، بشّر أصحابه بهذه الآية فقال: (لن يغلب عسر يسرين) رواه ابن جرير.

ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد [أي عسر واحد في الآيتين ولم يختلف]، واليسر منكر، فتعدّد [أي أن يسر الآية الأولى مختلف عن يسر الآية الثانية، فأصبحت عسر واحد ويسرين]، ولهذا قال: (لن يغلب عسر يسرين) يعني قوله: {فإن مع العسر يسراً • إن مع العسر يسراً}. 

*من تفسير ابن كثير، رحمه الله
***
وقال ابن عباس: "يقول اللّه تعالى: خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين." وجاء في الحديث عن النبي، صلى اللّه عليه وسلم، في هذه السورة أنه قال: "لن يغلب عسر يسرين." وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه؛ ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم؛ فكتب إليه عمر، رضي اللّه عنهما: أما بعد، فإنهم مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل اللّه بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن اللّه تعالى يقول في كتابه {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200].
***
إن اللّه بعث نبيه محمد، صلى اللّه عليه وسلم، مقلا مخفا، فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالا؛ فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره؛ فعزاه اللّه، وعدد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله {فإن مع العسر يسرا} أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر؛ فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا؛ أي في الدنيا. فأنجز له ما وعده؛ فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ذات يده، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا؛ وإن كان خاصا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء اللّه تعالى. ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى اللّه عليه وسلم، فقال مبتدئا {إن مع العسر يسرا} فهو شيء آخر.

فهذا وعد عام لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه؛ أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة. والذي في الخبر : [لن يغلب عسر يسرين] يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا؛ فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء.

*من تفسير القرطبي، رحمنا الله ورحمه

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

مما جاء في تفسير آخر آية من الإسراء: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا.. الآية)

السلام عليكم، طبتم وطاب صباحكم..

يقول تعالى مختتما سورة الإسراء:

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا
(الإسراء، ١١١)
 
هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا: عزيز وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه؛ تعالى الله عن أقوالهم. {ولم يكن له شريك في الملك} لأنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في عبادته. {ولم يكن له ولي من الذل} قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد؛ أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل فيكون مدافعا.
قال الحسن بن الفضل {ولم يكن له ولي من الذل} يعني لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر، لعزته وكبريائه. {وكبره تكبيرا} أي عظمه عظمة تامة. ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر؛ أي صفة بأنه أكبر من كل شيء. وقال عمر بن الخطاب: قولُ العبدِ (الله أكبر) خير من الدنيا وما فيها.

وهذا الآية هي خاتمة التوراة.. فعن عبدالله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ.. الآية} وختمت بخاتمة هذه السورة. وروى عمرو بن شعيب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبدالمطلب علمه {وقل الحمد لله الذي} الآية. وقال عبدالحميد بن واصل : سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ: وقل الحمد لله... الآية، كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبل لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولدا {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا}). وجاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجل شكا إليه الدين بأن يقرأ {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} إلى آخر السورة، ثم يقول: توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث مرات.

*من تفسير القرطبي، رحمه الله
***
وروى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: (آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) إلى آخر السورة.

*من تفسير الجلالين، رحمهما الله
***
والحق سبحانه يقول:
{ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً..}

فكَوْنه سبحانه لم يتخذ ولداً نعمة كبيرة على العباد يجب أنْ يحمدوه عليها، فإنْ كان له ولد فسوف يخصُّه برعايته دون باقي الخَلْق، فقد تنزّه سبحانه عن الولد، وجعل الخَلْق جميعهم عياله، وكلُّهم عنده سواء، فليس من بينهم مَنْ هو ابن لله أو مَنْ بينه وبين الله قرابة، وأحبّهم إليه تعالى أتقاهم له، وهكذا ينفرد الخَلْق بكل حنان ربهم وبكل رحمته.

ثم يقول سبحانه: {ولم يكن له شريك في الملك..}

وهذا أيضاً من النعم التي تستوجب الحمد، ولك أنْ تتصوّر لو أن لله تعالى شريكاً في الملْك، كم تكون حَيْرة العباد؟ فأيُّهما تُطيع وأيهما تُرضِي؟

وكَوْنه سبحانه واحداً لا شريك له يجعلك تطمئن إلى أمره ونَهْيه فتُطيعه وأنت مطمئن، فأوامره سبحانه نافذة لا مُعقِّب لها، ولا مُعترِض عليها، فليس هناك إله آخر يأمرك بأمر مخالف، أليست هذه نعمة تستوجب الحمد؟

وأيضاً فإن الحق سبحانه يقول: {ولم يكن له ولي من الذل..}

والحق سبحانه ليس له وليٌّ يلجأ إليه ليعزه؛ لأنه سبحانه العزيز المعِزّ القائم بذاته سبحانه، ولا حاجة له إلى أحد.

ثم يقول تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} 

لأن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن أكبر من كل شيء، وأكبر من كل كبير؛ لذلك جُعلتْ (الله أكبر) شعار أذانك وصلاتك، فلا بُدَّ أن تُكبِّر الله، وتجعله أكبر مِمّا دونه من الأغيار، فإنْ ناداك وأنت في أيّ عمل فقُلْ: الله أكبر من عملي، وإنْ ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: الله أكبر من أيِّ عظيم، كبِّره تكبيراً بأن تُقدِّم أوامره ونواهيه على كل أمر، وعلى كل نهي. ولا تنسَ أنك إن كبَّرْتَ الحق سبحانه وتعالى أعززْتَ نفسك بعزة الله التي لا يعطيها إلا لمَنْ يخلص العبودية له سبحانه، فَضْلاً عن أن العبودية لله شرفٌ للعبد.

إذن: كبِّره تكبيراً. أي: اجعل أمره ونَهْيه فوق كل شيء، وقُلْ: الله أكبر من كل كبير حتى الجنة قل: الله أكبر من الجنة. ففي الحديث القدسي: " أَولَوْ لَم أخلق جنة وناراً، أما كنتُ أهلاً لأنْ أُعبد؟"

فالله تعالى بذاته سبحانه أكبر من أيّ شيء، حتى إن كانت الجنة، ففي آخر سورة الكهف يقول تعالى:
{فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربهِ أحدا} 
[الكهف: 110]

فلم يَقُلْ: مَنْ كان يرجو جزاء ربه، أو جنة ربه، أو نعيم ربه، إن المؤمن الحق لا ينظر إلى النعيم، بل يطمع في لقاء المنعم سبحانه، وهذا غاية أمانيه.

وفي حديث آخر يقول الحق سبحانه للملائكة: "أما رأيتم عبادي، أنعمتُ عليهم بكذا وكذا، وأسلب عنهم نعمتي ويحبونني". 

وبهذه الآية خُتِمَتْ سورة الإسراء..

*من خواطر الشعراوي، رحمنا الله ورحمه

الاثنين، 7 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) الإسراء، ١١٠

السلام عليكم.. طبتم وطاب صباحكم..

يقول الله عز وجل في الآية قبل الأخيرة من سورة الإسراء:

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا
 (الإسراء، ١١٠)

يقول تعالى:
{قُلِ} يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله عزّ وجلّ، المانعين من تسميته بالرحمٰن، {ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} أي لا فرق بين دعائكم له باسم {ٱللَّهَ} أو باسم {ٱلرَّحْمَـٰنَ} فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: 
{لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}
[الحشر: 24] الآية.

وقد روى مكحول أن رجلاً من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده:
"يا رحمن يا رحيم"،
فقال إنه يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس رواهما ابن جرير.
***
[وذكر القرطبي، رحمه الله، في تفسيره عن سبب نزول هذه الآية:

قال مكحول:
"تهجّد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة فقال في دعائه: «يا رحمن يا رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة "
فنزلت الآية مبيِّنة أنهما اسمان لمسمّى واحد؛ فإن دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك.

وقيل: كانوا يكتبون في صدر الكتب: باسمك اللهم؛ فنزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن؛ فنزلت الآية. وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير. يعنون الرحمن؛ فنزلت الآية.]
***
وقوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فلما سمع ذلك المشركين سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن، {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}.

وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع منهم دونهم فرقاً منهم. فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً، فأنزل الله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فيتفرقوا عنك {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أي فلا يسمع من أراد أن يسمع فينتفع به، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}.

وقال ابن جرير، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي عزّ وجلّ وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل لعمر: اخفض شيئاً.

*من تفسير ابن كثير، رحمنا الله ورحمه

الأحد، 6 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) الإسراء: ١٠٧-١٠٩

السلام عليكم.. طبتم وطاب يومكم..

يقول الله عز وجل في خواتيم سورة الإسراء:

قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا • وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا • وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩
(الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩)


في قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ..}

هذا ليس أمراً بحيث أن الذي يفعل الأمر أو النهي يكون طائعاً [أي الإيمان بالقرآن، كما في الآية التي سبقتها مباشرة: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا (١٠٦)}]، بل إن المراد هنا هو التهديد أو التسوية، فسواء آمنوا أو كفروا؛ لأن الحق سبحانه جعل في ذلك عزاءً لرسوله، صلى الله عليه وسلم، في إيمان أهل الكتاب.
***
{إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ..} 

أي: اليهود والنصارى الذين ارتضوا بالكتب السماوية، واستمعوا للتوارة والإنجيل، ونقلوها إلى غيرهم من المعاصرين للقرآن فهؤلاء شاهدون بأن الرسول حَقٌّ بما عندهم من بشارة به في التوراة والإنجيل؛ لذلك يتركون دينهم ويسارعون إلى الإسلام؛ لأنهم يعلمون عِلْم اليقين أنه الدين الحق.

ومن هؤلاء عبد الله بن سلام، وكان من علماء اليهود، وكان يعلم أوصاف رسول الله وزمن بَعْثته؛ لذلك قال: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشدّ.
***
وقوله تعالى: {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ.. } أي: القرآن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}.

كلمة {يَخِرُّونَ} توحي بأنهم يسارعون إلى السجود، وكأنها عملية انفعالية غير إرادية ليس لهم فيها تصرُّف، فبمجرد سماع القرآن يرتمون على الأرض ساجدين؛ لأنهم تفاعلوا معه، واختمر الإيمان في نفوسهم. ليس ذلك وفقط، بل ويخرون {لِلأَذْقَانِ} جمع ذَقَن، وهي أسفل الفَكِّ السفلي، ومعلوم أن السجود يكون على الجبهة... [قال بعض المفسرين إن هذا كناية عن السجود على جباههم.] 
***
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}

أي: يقولون حال سجودهم: سبحان ربنا الذي وَفّى بوعده في التوراة والإنجيل، وبعث الرسول الخاتم ومعه القرآن، سبحانه حقق لنا وَعْده وأدركناه وآمنا به، وكأن هذه نعمة يحمدون الله عليها.
***
ثم يقول الحق سبحانه عنهم: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩}

لقد خَرُّوا ساجدين لله تعالى قبل ذلك لأنهم أدركوا القرآن الذي نزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، وتحقَّق لهم وعد الله فعاصروه وآمنوا به. أما هذه المرة فيخرون ساجدين لما سمعوا القرآن تفصيلاً وانفعلوا به، فيكون له انفعال آخر، لذلك يزيد هنا الخشوع والخضوع. فكلما قرأوا آية ازدادوا بها خشوعاً وخضوعاً.

*من خواطر الشعراوي، رحمنا الله ورحمه

السبت، 5 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) الشرح، ٤

السلام عليكم.. طبتم وطاب صباحكم..

يقول الحق تعالى في سورة الشرح:

 وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
(آية: ٤)

ذكر سبحانه منته وكرامته على نبيه ورسوله محمد، صلى الله عليه وسلم] فقال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، قال الحسن: وذلك أن الله لا يُذكر في موضع إلاّ ذُكِر معه صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي، فيقول: "أشهد أن لا إلٰه إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله". قال مجاهد: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} يعني: بالتأذين. وقيل المعنى: ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وأمرناهم بالبشارة به. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض. والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتنّ الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الله عزّ وجلّ أن من صلّى عليه واحدة.. صلى الله عليه بها عشراً، وأمر الله بطاعته كقوله: 
{أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}

وغير ذلك. وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السمٰوات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق، والذكر الحسن، والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده: 
{ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}
[الحديد: 21 ]

اللَّهم صلّ وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون، بكل لسان وفي كل زمان.. وما أحسن قول حسان بن ثابت: 

أغرّ عليه للنبوّة خاتم  
 من الله مشهور يلوح، ويشهد

وضم الإلٰه اسم النبيّ مع اسمه  
إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله  
فذو العرش محمود، وهذا محمد

*من تفسير الشوكاني، رحمنا الله ورحمه

الخميس، 3 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) الإسراء، ١٠٦)

السلام عليكم، طبتم وطاب صباحكم..

يقول تبارك وتعالى:

وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا 
(الإسراء، ١٠٦)

معنى {فَرَقْنَاهُ} أي: فصّلناه، أو أنزلناه مُفرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث {عَلَىٰ مُكْثٍ} على تمهُّل وتُؤدَة وتأنٍّ.

جاءت هذه الآية للرد على الكفار الذين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما قال تعالى حكاية عنهم:
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً..}
[الفرقان: 32]

وأول ما نلحظه عليهم أن أسلوبهم فضحهم، وأبان ما هُمْ فيه من تناقض، ألم يسبق لهم أن اتهموا الرسول بافتراء القرآن؟

ثم يتولّى الحق سبحانه الردّ عليهم في هذا الاقتراح، ويُبيِّن أنه اقتراح باطل لا يتناسب وطبيعة القرآن، فلا يصح أن ينزل جملة واحدة كما اقترحوا للأسباب الآتية:
***
1.
{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ..} 
[الفرقان: 32]

أي: أنزلناه كذلك على الأمر الذي تنتقدونه من أنه نزل مُفرّقاً مُنجّماً حسْب الأحداث
{لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ..} 
[الفرقان: 32] لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتعرّض لكثير من تعنّتات الكفار، وسيقف مواقف مُحرِجة من تعذيب وتنكيل وسخرية واستهزاء، وهو في كل حالة من هذه يحتاج لتثبيت وتسلية.

وفي نزول الوحي عليه يَوْماً بعد يَوْم، وحسْب الأحداث ما يُخفّف عنه، وما يزيل عن كاهله ما يعاني من مصاعب ومَشَاقِّ الدعوة وفي استدامة الوحي ما يصله دائماً بمَنْ بعثه وأرسله، أما لو نزل القرآن جملةً واحدة لكان التثبيت أيضاً مرة واحدة، ولَفقد رسول الله جانب الصلة المباشرة بالوحي، وهذا هو الجانب الذي يتعلق في الآية برسول الله.
***
2.
{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} 
[الفرقان: 32] أي: نَزَّلْنَاه مُرتّلاً مُفرّقاً آيةً بعد آية، والرتل: هو المجموعة من الشيء. كما نقول: رتل من السيارات، وهكذا نزل القرآن مجموعة من الآيات بعد الأخرى، وهذه الطريقة في التنزيل تُيسِّر للصحابة حِفْظ القرآن وفَهْمه والعمل به، فكانوا رضوان الله عليهم يخفظون القدر من الآيات ويعملون بها، وبذلك تيسَّر لهم حفظ القرآن والعمل به. 
***
3.
{وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} 
[الفرقان: 33]

وهذه للمخالفين لرسول الله، وللمعاندين لمنهج الله الذين سيعترضون عليه، ويحاولون أن يستدركوا عليه أموراً، وإن يتهموا رسول الله، فلا بُدَّ من الردّ عليهم وإبطال حُجَجهم في وقتها المناسب، ولا يتأتّى ذلك إذا نزل القرآن جملة واحدة.

فلما قالوا:
{مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ..}
[الفرقان: 7]

يردُّ القرآن عليهم بقوله تعالى:
{وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ..} 
[الفرقان: 20]
***
فإن نظرتَ إلى العقائد وجدتَ الكلام فيها قاطعاً لا هوادةَ فيه، يأتي هكذا قَوْلاً واحداً، فالله واحد أحد لا شريك له، له صفات الكمال المطلق، وكذلك الحديث عن الملائكة والبَعْث والحساب.لكن تجد الأمر يختلف في الحديث عن العادات التي أَلِفها الناس في حركة الحياة، فهذه أمور تحتاج إلى تلطُّف وتدرُّج، ولا يناسبها القصْر والقَطْع. ألم تَرَ إلى المشرّع سبحانه حينما أراد أنْ يُحرِّم الخمر، كيف تدرّج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتثّ هذه العادة التي تحكّمتْ في نفوس الناس وتملَّكتهم، أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة إذا نزل القرآن جملة واحدة؟
***
إن الحق تبارك وتعالى بنزول القرآن مُفَرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث، كأنه يُجري مشاركة بين آيات التنزيل والمنفعلين بها الذين يُصِرّون على تنفيذ مطلوباتها، حتى إنهم ليبادرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال ... كما حكى القرآن:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ..} 
[البقرة: 219]

{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ..} 
[البقرة: 219]

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ..} 
[البقرة: 189]

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ..} 
[طه: 105]

إذن: وراء نزول القرآن مُفرّقاً مُنجّماً حِكَم بالغة يجب تدبُّرها، هذه الحِكَم ما كانت لتحدث لو نزل القرآن جملةً واحدةً.

*من "خواطر الشعراوي"، رحمنا الله ورحمه

الأربعاء، 2 أبريل 2014

مما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) الإسراء، ١٠٥

السلام عليكم.. طبتم وطاب صباحكم..🌹

يقول الحق تبارك وتعالى:

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
(الإسراء، 105)

[الجزء الأول]
قال بعض المفسرين:
أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة الحميدة، وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة، والأخلاق الرديئة، والأفعال الذّميمة، {وبِالْحَقِّ نزلَ} يقول: وبذلك نزل من عند الله على نبيّه محمد، صلى الله عليه وسلم. (تفسير الطبري)

و قال بعضهم:
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل، أي: متضمنًا للحق، كما قال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] أي: متضمناً علم الله الذي أراد أن يُطْلِعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه.

وقوله: {وَبِالْحَقِّ نزلَ} أي: ووصل إليك -يا محمد -محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زِيدَ فيه ولا نُقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القُوى، القَوِيّ الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى [جبريل، عليه السلام]. (تفسير ابن كثير)

وورد في بعض كتب التفسير:
{وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ} أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله، وما نزل على الرسول إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه. وقيل: وما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين. ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أول الأمر وآخره. (تفسير البيضاوي)
***
ثانياً: الفرق بين "نزل"، "أنزل"، "النزول" و"التنزيل"

أنزلناه: فعل متعدي من نزل
أنزل: أحل شيء مكان شيء
نزل: حل في مكان وآوى إليه

وقد تأتي "أنزل" بمعنى انحدر من علو إلى سفل و قد تأتي "نزل" بمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل.

فمثال الأول، قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء" [النحل: 65]

ومثال الثاني: نزل فلان من الجبل
(مناهل العرفان) 

و"نزل": النزول بالضم وهو في الأصل انحطاط من علو.

وكان أبو عمر يفرق بين نزّلت وأنزلت ولم يذكر وجه الفرق. قال أبو الحسن: لا فرق عندي بينهما إلا صيغة التكثير في نزّلت والتنزيل تدريجي، والإنزال دفعي [دفعة واحدة]. وقال المصنف في البصائر تبعا للراغب و غيره: الفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة أن "التنزيل يختص بالوضع الذي يشير إلى إنزاله متفرقاً منجماً، مرة بعد أخرى، والإنزال عام."

قال تعالى: {لولا نزلت سورة} [محمد: 20]

و قال أيضا في نفس الآية: {فإذا أنزلت سورة} [محمد: 20]

و"التنزيل" الترتيب و"التنزل" النزول في مهلة. (تاج العروس، لسان العرب)

وقد يكون الإنزال دون التنزيل، كما في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1]

وقد يكون إنزال الشيء بنفسه، كما في قوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماء} [المؤمنون: 18]

وقد يكون بإنزال أسبابه والهداية، كما في قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25]                                                    (مناهل العرفان)
***
وعليه تكون مجمل المعاني لـ "نزل تنزيلاً" و"أنزل إنزالاً" هي:

المعنى الأول: "أنزل" أحل شيء مكان شيء و"نزل" حل في مكان وآوى إليه، وعليه يكون معنى الآية والله أعلم.

بالحق أنزلناه: أي أحللنا القرآن العظيم مكان الكتب السماوية السابقة فكان خاتماً وناسخاً لها ومؤيداً لها بالعقيدة والأخلاق ووحدة المصدر: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]

وبالحق نزل: أي أن هذا التشريع العظيم الذي جاء به القرآن الكريم قد حلّ وآوى في هذه البقعة من العالم وفي هذه الفترة الزمنية ليكون هداية للناس بعدما ضلت فترة من الزمن.
***
المعنى الثاني: نزل وأنزل بنفس المعنى، وتعني تحرك الشيء وانحداره من علو إلى سفل، وعليه يكون معنى الآية و الله أعلم.

بالحق أنزلناه: أي أن القرآن العظيم في علو إذ لا يقدر أحد على تحريفه أو الطعن فيه أو الإتيان بمثله أو تحديه.

و بالحق نزل: أي أن هذا التشريع وهذا الدين هو في علو  لأنه أسمى وأطهر وأفضل للناس مما كانوا عليه، فأثبت لهم ما كان من الأخلاق الفاضلة وبدّل لهم أخلاقهم السيئة واعتقاداتهم الخاطئة.
***
المعنى الثالث: "التنزيل" و"الإنزال"

التنزيل تدريجي وهو النزول في مهلة والإنزال دفعي، وهذا يتناسب مع الآيات التي ذكر فيها التنزيل و الإنزال.. قال تعالى: {[نزل] عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه [وأنزل] التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3]

فقد خص القرآن بالتنزيل لنزوله منجماً.

وفي قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}  [القدر: 1]

فالمراد إنزاله إلى السماء الدنيا دفعة واحدة، ثم تنزيله منجماً على النبي، محمد صلى الله عليه وسلم، في ثلاثة و عشرين سنة.

*من مقال للأستاذ حسام جمعة معاون